الشيخ داود الأنطاكي
33
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
فحين أجال قرائح الفكر في معانيها وأطال تسريح النظر في مبانيها وجدها عباب « 1 » بحر تقصر عنه الأفكار وقاموس تيار تكل دونه ثواقب الانظار ، أشار مدة أيامه واشارته الممتثلة المأمولة وأوامره المطاعة المقبولة أن أضع رسالة تكون لمستغلق أبواب معانيها مفتاحاً ولمستصعب دقائق غوامضها هداية وايضاحاً ، فحين استحالت المخالفة وحقت الطاعة ؛ لصدق المؤالفة حررت هذه الرسالة الموسومة ب « النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة » . سلكت فيها طريقاً لم تسلك قبلي لوارد ، وبسطت فيها نمطاً لم ينسجه ناسج ولا نحى نحوه قاصد ، حيث بينت كيف مأخذ الطب من الحكميات والفلسفة ، وما وجه رجوع المواليد إلى مطلق البسائط وهي مؤلفة ، وحشوت أصدافها بالجواهر الغالية وشحنت فلك ألفاظها بالنفائس العالية لتطابق ما في نظره الثاقب وتناسب ما اقترح عليّ بحدسه الصائب ، لم أكن فيها كُلا على كتاب بل اقتصرت على ما في قوى عقلي من مسألة وجواب ، واعتمدت على ما أرشد إليه الدليل والاجتهاد وصح عليه التعويل والاعتماد ، فان نقلت عبارة فلمناقشة ، أو نظرت في كلام فللمفاتشة . هذا ، وانها إن وقعت منه في حيز القبول فذاك ، والا فالمسؤول اسبال ذيل الفضل والتجاوز عن كبوات طرف الذهن والجنان ونبوات صارم القلم واللسان ، ومن واهب العقل أستمد العصمة والتوفيق من دقائق الزلل وأن يجعلها خالصة عن الشبهات في القبول والعمل انه خير من استمطرت من فضله سحائب العطاء وأكرم من سامح المعترف بمواقع الخطأ . وقد رتبتها على مقدمة وثمانية أبواب وخاتمة .
--> ( 1 ) عُبَاب : معظم السيل . ارتفاع السيل . عُبُابُ البحر : موجه . ( المنجد في اللغة ) . )